إبراهيم الملا

«يا الباب قلّ لي ليش صكّوك / وين الذي في البيت سكّان
وين ارحلوا عنك وخلّوك / يذريك كوس الريف ذنّان
وين الأياد العاد فتحوك / كل ليلة وعصر مسيّان
في المنتصف وقفوا وزهّوك / لي تنوّر بْهم ذيك الأوطان»

يحاور الشاعر والإعلامي القدير «محمد بن راشد الشامسي» (الباب) في القصيدة أعلاه، وكأنه يحاور كائناً يعرفه منذ زمن، وهو حوار ينطوي على مكاشفة وجدانية تحيل «الشيء الصامت» إلى «ذات ناطقة»، وهي عملية تشبه «أنسنة الجماد» ليصبح قادراً على التفاعل مع أسئلة الشاعر والتجاوب معها، من خلال وسيط افتراضي يتمثّل في عنصر «الغياب»، ذلك أن الغياب يفرض علامات استفهام كثيرة هنا، خصوصاً بالنسبة لشاعر اعتاد على التفاصيل المتحركة بمنزل المحبوب، وانشغل بها طويلاً، وعندما ساد الصمت على هذا المنزل، وصار خاوياً من الشخوص والأرواح، بات على الشاعر فهم هذا «الاغتراب المكانيّ» وتحليله ورصده والكشف عن معضلته، فاختار «الباب» كمدخل لهذا الكشف، مستعيناً بنفاذية القصيدة وشفافيتها كي يميط اللثام عن لغز طال أمد استغلاقه، وأصبح ضرورياً الآن تنقيته من شائبة الظنّ، وغموض التفسير.

يضع الشامسي أسئلته المتتالية «وين الذي في البيت سكّان»، «وين ارحلوا عنك وخلّوك» و«وين الأيادي العاد فتحوك»، منتظراً من الباب أن يستوعب هذه الأسئلة المتخمة بصنوف اللوعة والشوق والتمنّي، منتظراً الإجابات الشافية، والحلول الناجزة، ولأن «المعنى» يظل دائماً في معية الشاعر، فكل الإجابات التي يمكن أن يبوح بها الباب، هي إجابات متمايلة بين ضفتي اليأس والأمل، وما «الباب» هنا إلا عتبة انتظار بين هجران أكيد، وعودة محتملة، لذلك يكمل الشاعر أبيات قصيدته قائلاً:

«أشوف خمس أيام ما جوك /‏ عفّت دروبك والنظر شان
قول الصراحة كان خبروك /‏ عطني دلايلهم بعنوان
إذا على الصدقان وصّوك /‏ ردّ الخبر يا الباب باحسان
محتار أنا يا الباب وارجوك /‏ اسعف لذي مشغول حيران»

يقول الشاعر إن خمسة أيام مرّت على غياب أهل الدار، وهنا ينتقل خطاب القصيدة من منطقة «السؤال» إلى منطقة «الرجاء»، ذلك أن الصمت المكثّف للباب لا بد أن يحيل إلى الريبة والشك: «محتار أنا يا الباب أرجوك /‏ اسعف لذي مشغول حيران».
تظهر براعة الشامسي هنا في استحضاره للتفاصيل الدقيقة المحيطة بالمنزل بعد خلوه من المحبوب وهجران أهله، حيث شاه منظره، ولم تعد دروبه مستساغة، ولذلك يتمنى الشاعر عودة الروح لجسده هو، قبل عودتها للبيت، متمنياً من الباب أن يدله على العنوان الجديد للمحبوب، أو على الأقل أن يسعف خاطره المعذّب، ويمنحه السلوى، ويخفّف من مصاب قلبه، فيردّ عليه الباب قائلاً:

«قال الصبر يا «محمد» ارجوك /‏ أنا جنيت وصرت غلطان
عربانك اللي دوم ضرّوك /‏ بوقوفهم عصر المسيّان
صارت مشاكلهم يوم شافوك /‏ حاسد وعاذل وألف فتّان
وانته على الخاطر وذكروك /‏ ودموع خلّك فوق الأوجان
هذا جوابي ما به شكوك /‏ لا تظنّ خلك صار خوّان»

تأخذنا هذه الانتقالة المهمة والذكية في البنية السردية للقصيدة إلى فحوى الرد الافتراضي والمنتظر من الباب، والذي يخبرنا في ردّ واضح، وتعليل قاطع، أن سبب كل هذه البلوى وهذا الهجر هو الحسّاد والعذّال وأصحاب الفتن الذين حالوا بين الشاعر وبين رؤية المحبوب، كما ينقل الباب هواجس وخبايا الطرف الآخر، مبينّاً أنه ما زال محتفظاً بالودّ، وأنه يعيش حالة الألم والفقد مثله، ولولا الظروف الطارئة لكان رباط الوصل بينهما قائماً، ولكانت أمنيات اللقاء قد تحقّقت، ويشي هذا القول بوعد متجدّد، وبغاية لن يطول انتظارها، وبالتالي يمكن حيازتها والظفر بها.

  • حاكم الشارقة يكرم الشامسي في مهرجان الشارقة للشعر الشعبي
    حاكم الشارقة يكرم الشامسي في مهرجان الشارقة للشعر الشعبي

الميلاد والنشأة
ولد الشاعر محمد بن راشد الشامسي عام 1956م في قرية «حماسا» بمنطقة البريمي، ويرد في سيرته الذاتية والتي يسردها الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في كتابه: «ديوان الشامسي» أن محمد الشامسي قد تعلم الكتابة والحساب وحفظ القرآن الكريم في المدرسة، وعندما بلغ العاشرة من عمره توفي والده، فانتقل بعدها ليسكن في قرى العين القريبة من البريمي، وكان ذلك في منتصف الستينيات من القرن الماضي، حيث التحق بمدرسة «توام» في منطقة (الجيمي) بالعين، وعاش فيها، إلا أنه ظل متردداً على «حماسا» وعلى البريمي؛ كون هذه القرى متصلة ببعضها، وقد التحق الشاعر لاحقاً بالعمل في مديرية الزراعة بالعين، وأكمل دراسته المسائية حتى أنهى الثانوية العامة، وظل يعمل في مديرية الزراعة حتى انتقاله للعمل في ديوان ممثل الحاكم في العين.
ويذكر المزروعي، في الصفحات التمهيدية من الديوان، أن الشامسي كتب القصيد وهو ما زال صبياً يافعاً في الثالثة عشرة من عمره، ويذكر أول قصيدة قالها وهي:
«يا عذابي ذلك الليلة /‏‏‏‏ يوم أنا ريته على الوادي»

وكان لقربه من الشاعر عبدالله بن عمير الشامسي - رحمه الله - وقرابته في السكن، وروابطهم العائلية، أثر كبير في تكوين شخصيته الشعرية، وأسلوبه التعبيري، وبالنسبة له كان ابن عمير أستاذاً وملهماً، يستمع لقصائده ويردّدها دائماً، ويكتب له بعض المرّات، بل ويحفظ بعضها، خاصة قصائد الغزل والوصف، كما أن وجود شعراء كبار في العين أمثال سعيد بن هلال الظاهري، وسالم الكاس، وسلطان بن وقيش، وكميدش بن نعمان وعبيد بن معضد وابن مهيلة وغيرهم، كان له دور في صقل موهبته الشعرية، وضخها بالمزيد من المعارف والأساليب والفنون الشعرية المرتبطة بخصوصية المكان وبأصالة وقوة وحضور القصيدة النبطية لدى شعراء وأهالي مدينة العين، وبكل ما تحمله هذه القصيدة الشعبية من بهاء وتألق ووقار في المجالس العامة، والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
ويشير المزروعي إلى أن أغراض القصيدة لدى الشامسي ترتكز على الشعر الغزلي، وقد بدأ حياته بمحاولاته الغزلية، ويكاد الشعر الغزلي يطغى على مجمل قصائده، إذ له ما يقارب الآلاف من القصائد الغزلية، غير أنه أبدع أيضاً في قصائد الشكاوى والردود مع العديد من الشعراء الشعبيين، ونظراً لمعاصرته لفترتي السبعينيات والثمانينيات، فقد عاش فترة ازدهار وانتعاش الساحة الشعرية الإماراتية مع فطاحل الشعر النبطي الذين أسسوا لمجالس الشعراء وكانوا يمثلون الجيل الذهبي للشعر المحلّي القادم من بيئات ومرجعيات مختلفة، مما ساهم في غنى وتنوع وثراء المناخ الإبداع في تلك الفترة، ومما ميّز الشاعر محمد الشامسي دخوله في مجال الألغاز و«الغطو» في الشعر الشعبي كالجمّل والريحاني والدرسعي، ويتحدث هو عن ذلك بأنه تعلّم شعر الألغاز عن طريق احتكاكه بالشاعر الكبير سالم الجمري - رحمه الله - الذي اشتهر في هذا المجال.
وعرف عن الشامسي أيضاً تميزه في شعر «التغاريد» وأشهر من شاكاهم بالتغاريد الشاعر أحمد بن علي الكندي - رحمه الله- كما قال أنشد الشامسي شعر «الرزيف» كونه رئيساً لفرقة الرزيف في جمعية العين للفنون الشعبية، وله رزفات كثيرة، تغنت بها فرق الرزيف والفنون الشعبية، ونظراً لغزارة إنتاجه - كما يشير المزروعي - فقد انتشر شعره في مناطق الدولة المختلفة واستعان بقصائده العديد من الفنانين والملحنين لغناء قصائده، وتعاون معه عشرات المطربين أمثال علي بن روغة، وحارب حسن، وميحد حمد، وسعيد الشراري، ومحمد راشد سيف، ومطر الخاطري ومعضد سالم وغيرهم.

  • غلاف ديوان محمد راشد الشامسي
    غلاف ديوان محمد راشد الشامسي

«سكون الليل»
صدر للشاعر محمد الشامسي ديوان بعنوان «سكون الليل» في العام 1990م، كما صدر له في العام 2013م «ديوان الشامسي» عن نادي تراث الإمارات، وهو من إعداد وتحقيق وجمع الدكتور راشد أحمد المزروعي، حيث يتضمن الديوان العديد من القصائد التي خصها الشاعر لذكر المزايا البهيّة والخصال المحمودة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - إضافة للقصائد الاجتماعية، وقصائد الفنون والألحان الشعبية، والرزفات الحربية والعيّالة، والشكاوى والمجاريات، والغزل والقصائد الوطنية، ويرد في مقدمة الديوان أن الشاعر محمد بن راشد الشامسي من الأسماء الكبيرة في سجل الشعر النبطي بالإمارات، وكانت له إسهامات قوية في تطوير المشهد الشعري المحلّي من خلال تقديمه لبرنامج «شعراء المنطقة الشرقية» بمدينة العين، وبرنامج «فنون البادية» من إذاعة أبوظبي، وهو الشاعر صاحب الفرقة المعروفة: «عيّالة العين» وصورته تكاد لا تنسى لكثرة تردد اسمه ومشاهدته في برامج الشعر بتلفزيون أبوظبي، كما أشرف شاعرنا على صفحة الشعر الشعبي بصحيفة «الاتحاد» منذ العام 1988م وحتى العام 2000م، إذ أثرى الساحة الشعرية الشعبية بالكثير من القصائد التراثية الجميلة، وحفظ الكثير من القصائد الشعبية لكبار الشعراء في ذلك الوقت، وحافظ على جزء كبير من أشعارهم قبل أن يجرفها النسيان وقبل أن تنمحي من الذاكرة الجمعية.

تكريم
كرم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة  الشاعر محمد بن راشد الشامسي في الدورة الحادية عشرة من مهرجان الشارقة للشعر الشعبي، نظراً لإسهامات الشامسي المميزة في هذا الحقل الإبداعي الأصيل، ومشاركته في الجهود الرائدة لترسيخ هذا الفن التعبيري المهم ضمن فضاء جمالي حافل ومتنوع، يضع الشعر بمختلف تياراته ومدارسة في واجهة وصدارة المشهد الثقافي بالدولة.

خبرة طويلة
يذكر الباحث «علي العبدان» في دراسة له عن الشاعر محمد الشامسي أنه يمتاز بالأصالة في البناء الشعري لقصيدته، ولغته جزلة الألفاظ، قوية المبنى والمعنى، وتعكس خبرة طويلة في قرض الشعر وتذوّقه، مشيراً إلى أنه مع هذا، فهو يهتم بروح العصر الراهن، حيث نجد الكثير من المصطلحات الحديثة في قصائده، مؤكداً العبدان أن هذا شيء طبيعي لأنه يريد مخاطبة كافة شرائح المجتمع العصري.