نوف الموسى 

طرحت جامعة نيويورك أبوظبي، أسئلة عن مستقبل المتاحف في دولة الإمارات، وعن أفضل السبل للتخطيط في هذا المجال، عبر استضافتها للندوة العالمية «متاحف الفن هنا والآن» في عام 2010، شكلت وقتها منصة نوعية دعمت تعاونها الأخير مع متحف اللوفر ـ أبوظبي، بتنظيم ندوة «متاحف بإطار جديد» في عام 2020، أوضحت حولها نائب رئيس جامعة نيويورك أبوظبي في حوارها لـ «الاتحاد» مارييت ويسترمان، أن النقاشات ساهمت في إعادة النظر في الدور المجتمعي للمتاحف، خاصة مع التحديات الأخيرة المتعلقة بالأزمة الصحية «كوفيد- 19» والتي تجلت عبرها ضعف الاستراتيجية المالية للمتاحف، وأهمية التركيز على الحلول التقنية والرقمية، وكيف أنه على المتاحف أن تواصل عملها فيما يتعلق بتوسعة قاعدة جمهورها وتوفير منصة للأصوات الجديدة بشكل أكثر شمولية، بعد أن تم استبعاد شريحة كبيرة من تجربة زيارة المتاحف بطريقة أو بأخرى ومن مهامنا الآن استقطابها، إضافة إلى ضرورة البحث في أشكال دعم المتاحف الكبرى للمتاحف المحلية. 

  • جامعة نيويورك أبوظبي
    جامعة نيويورك أبوظبي

* نود في البداية التعرف أكثر حول مشروعك الشخصي «تحضير عرض وكتاب حول دلالات جنة عدن في تاريخ الأديان الإبراهيمية وتعاليمها وفنه» على مستوى إنتاجك الثقافي والفني، ومدى تأثيره لوضع الرؤى والاستراتيجيات في المؤسسات الثقافية والفنية؟ 
- إن أبحاثي حول دلالات جنة عدن في تاريخ الأديان الإبراهيمية تتسم بطبيعتها بفكرة تعدد الثقافات، لأنني أتحرى القواسم المشتركة بين ثقافات الديانات الثلاث فيما يتعلق بجنة عدن، من حيث التفسيرات والتصوير وانعكاساتها على تصميم الحدائق في مختلف الثقافات. وبما أنني أهدف إلى تنظيم معرض بالإضافة إلى تأليف كتاب حول أبحاثي في هذا الموضوع، فينبغي أن أبتكر طريقة لتوضيح هذه الأفكار للجمهور بشكل تفاعلي، باستخدام وسائل ووسائط مبتكرة، حيث لا يمكننا بناء حدائق كاملة داخل المتحف. وبما أننا كلنا نعرف الحدائق، فإن معظم الزوار سيجدون في المعرض ما يمكنهم رؤيته على أرض الواقع. تشكّل المتاحف فرصة عظيمة في هذه المرحلة، ليس فقط فيما يتعلق بعرض روائع الفن والعلم، وإنما لربط هذه المقتنيات الفنية بواقع حياة الزوار وتفاعلهم معها.

* مرور العالم بتحديات وأزمات كبيرة، شملت القطاع الثقافي والفني، أدت إلى حالة من الغربلة لمختلف الأفكار والمعتقدات، من وجهة نظرك، كيف هو السبيل الفعلي للتعاطي مع المتغيرات الجذرية في مفاهيمنا إزاء القطاع الثقافي؟ 
- لقد زادت الجائحة من أهمية النقاش حول دور المؤسسات الثقافية وأهمية وجودها، وقد بات الوقت مناسباً لبحث دور المتحف كحافظ للثقافة، وأهميته كمكان يتيح للشعوب فرصة للتمعّن في تراثها وثقافتها، إلى جانب الثقافات المختلفة. إننا نقدّر المتاحف لما تشكله من أهمية وما تضفيه من فوائد عظيمة، ولكن علينا الآن أن نفكر في إعادة النظر إلى إطارها. ومن المهم أن نواصل العمل للتعلم والتعاون مع بقية الدول خلال مواجهة أي تحد عالمي من هذا النوع. وهناك العديد من المتاحف حول العالم، يمكن أن نجعل منها أساساً لبناء الأخوة والتلاحم على المستويين المحلي والعالمي. لقد أظهرت لنا الندوة العديد من فرص التعلم من بعضنا البعض، حيث شهدنا حوارات حول عمل المتاحف وابتكاراتها، بمشاركة مختلف العاملين في مجالات الفن والنقد من إدارات المتاحف والقيّمين والفنانين، من خمس قارات.

  • مارييت ويسترمان
    مارييت ويسترمان

* قدمت ندوة «المتاحف بإطار جديد»، رؤى تفاعلية لدور المنظومة المتحفية العالمية، كيف تنظرون لطبيعة الفرص المستقبلية وماهية الحلول في المرحلة المقبلة؟ 
- تعلمنا الكثير عن ذلك النوع من الشراكات، الذي يتعدى كونه حلاً لبقاء المتاحف في المرحلة الراهنة، بل يساهم أيضاً في الارتقاء بممارساتها ونظرتها المستقبلية. في الدرجة الأولى، تعتبر المتاحف والجامعات على حد سواء مؤسسات عظيمة، حيث تشكل منصة للتعليم والأبحاث وبناء العلاقات المجتمعية، فيمكن لكليهما الاستفادة من تجارب أحدهما الآخر. مثلاً، لطالما شكلت مسألة التحويل الرقمي معضلة للمتاحف كما للجامعات، لكن الأخيرة قد نجحت في المضي قدماً في مجال التعليم عن بُعد خلال الأشهر الماضية. وفي المقابل، نجحت المتاحف في تشكيل شراكات مثمرة مع مؤسسات تقنية، ما نتج عنه توسعة نطاق الجمهور بشكل مذهل، ومنح الزوار فرصة للاستمتاع بالمعروضات لفترة طويلة بعد مغادرة المتحف، ويمكن للجامعات استخدام بعض هذه الاستراتيجيات المبتكرة بهدف توفير منصات وبرامج أكثر للجمهور العام.   
ومن أهم التطويرات التي نشهدها هو التحول في نظرة المتاحف  لنفسها ولدورها في المجتمع. بينما كانت النظرة التقليدية تفترض ضرورة تقديم خدمات إلى مجتمع خارج أسوارها، فإن المتاحف قد بدأت تعي بصورة أوضح كونها جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع، ما يفرض عليها أنواعاً مختلفة من التواصل والشفافية. تحدث عدد من مديري المتاحف عن شراكات محلية مع مدارس ومع مؤسسات تنمية المجتمع، بهدف تعزيز التواصل مع بعض الشرائح التي لطالما استبعدت من المتاحف، وقد بدأت المتاحف بالتساؤل حول كيفية إشراك المجتمع بطرق عادلة ومنصفة.

* كيف تقيمين شكل فضاء البحث العلمي الحالي، فيما يتعلق بالفنون، وهل نحن مقبلون على تغيرات في مضامين تلك الفضاءات، وما هي الدراسات المهمة التي ستكون حاضرة وبقوة؟  
- لطالما شكّلت الجامعات والمتاحف صروحاً حضارية في كبرى المدن العالمية، وأرجو أن تكون هذه الندوة قد ساهمت في تعزيز مكانة المتاحف ومواصلة القيام بدورها خلال مواجهتنا مع هذا الوباء العالمي. إن للأبحاث دوراً هاماً في ذلك، فقد أثبتت الأبحاث خلال العقد الماضي أهمية دور المتاحف في تحفيز التعاطف والتفاهم بين الشعوب، كما أوضحت الأبحاث مؤخراً حدود تأثير المتاحف في هذا المجال وكيفية تخطيها. هناك الكثير من الدراسات حول التغيرات التي طرأت ضمن المتاحف ومجتمعاتها، وعن مساعيها نحو التنوع والشمولية في طاقمها وقاعدة مستخدميها، حتى لو لم تكن بالسرعة الكافية. هناك أيضاً أبحاث أشرفت على تمويلها خلال عملي في مؤسسة «ميلون» حول أهمية المتاحف من حيث مساهمتها في الاقتصاد المحلي والوطني بشكل عام. 
شهدنا خلال فعاليات الندوة عدداً من الحوارات الشيقة حول كل هذه المواضيع التي تعاظمت أهميتها في ظل الجائحة والأوضاع الصعبة التي سببتها للاقتصاد، بما في ذلك المتاحف التي باتت مهددة من حيث التمويل والدور المجتمعي. ومع ذلك، فإنني أظن أن المتاحف ستبقى تمثل جسوراً بين الثقافات، وأنها ستحافظ على أهمّيتها في المجتمع، بغض النظر عن التغييرات التي ستطرأ عليها.

  •  جامعة نيويورك أبوظبي (الصور أرشيفية)
    جامعة نيويورك أبوظبي (الصور أرشيفية)

*الصناعات الإبداعية ضمن المخرجات التعليمية، وتهيئة الطلاب للعمل باستقلالية كفنانين، للانضمام إلى عوالم المتاحف باحترافية، كيف تنظرون لإمكانية تحقيق ذلك بفاعلية أكبر في المنطقة المحلية؟ 
- كانت الفنون جزءاً رئيسياً من هوية جامعة نيويورك أبوظبي منذ أولى مراحل تأسيسها في وإلى مدينة أبوظبي، في وإلى نيويورك، وفي وإلى العالم. ومن خلال برنامج ماجستير الفنون الجميلة، سنواصل دعمنا نحو تنمية وتحضير الطلاب للعمل في هذا المجال.  وانطلاقاً من 2021، سيشكل برنامج ماجستير الفنون الجميلة في الفن والإعلام البرنامج الأول من نوعه لجامعة بحثية كبرى على الصعيد الإقليمي. وسيدمج البرنامج إمكانات جامعة نيويورك أبوظبي، وخبرة جامعة نيويورك العريقة في مجالات الفنون والإعلام والتقنية ليركّز على الفنون البصرية والإعلام الحديث، وغرسها بمنظور محلي. وسيشكّل البرنامج بهذه المواصفات تخصصاً جذّاباً للمهتمين بهذا المجال، لما يوفره من فرص للعمل في بيئة متطوّرة وللمشاركة في قطاع حيوي مزدهر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.